أحمد بن علي القلقشندي
92
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
العمل ، وماتت على ما أبرمته في قصد البيت الشريف في نيّة وأمل ، إذ كانت رحمة اللَّه تعالى عليها قد تأهّبت لذلك ، واعتدّت لسلوك تلك المسالك ، وأداء ما فرض اللَّه من السّعاية والمناسك ، وعلى اللَّه إجزال ثوابها ، وعنده نحتسب ما ألمّ فآلم من مصابها - فإنّ لدينا ممّن يمتّ بحرمة المحرم إلينا ، ويلزم بحقّ التربية علينا ، من يقوم عندنا مقامها ، ويروم من ذلك المقصد الشريف مرامها ، وسنوردها إن شاء اللَّه تعالى على تلكم البقاع ، ونوردها من تلكم الأقطار والأصقاع ، ما يجمل بحسن نظركم مورده ومصدره ، ويطَّابق في جميل اعتنائكم وحفيل احتفالكم خبره ومخبره ، بفضل اللَّه وعونه . وأما تشوّق ذلكم الإخاء ، لمواصلة الكتب بسارّ الأنباء ، فإنّ من أقربها عهدا وأعذبها حديثا يهادى ويهدى ، ما كان من أمر العاقّ قاتل أبيه ، الحالّ من إقليم تلمسان وممالكها بالمحلّ النّبيه ، وذلك أنّ أسلافه بني زيّان ، كانوا قد استولوا على هذه المملكة في سالف الزّمان ، ولم يزل بينهم وبين أسلافي المحتوين على ملك المغرب الأقصى وقائع توردهم الحمام ، وتذيقهم الموت الزّؤام ، فيدعون المنازعة ، ويعودون للموادعة ، ثم لم يلبثوا أن ينكثوا ، ولم يصبروا أن يغدروا ، إلى أن كان من حصار عمّنا المقدّس المرحوم أبي يعقوب قدّس اللَّه تربته إيّاهم ، فأكثر موتهم وكدّر محياهم ، وتمادى بهم الحصار تسع سنين ، وما كانوا غير شرذمة قليلين ، وهنالكم اتصلت بينكما المراسلة ، وحصلت الصّداقة والمواصلة ، ثم حمّ موته ، وتمّ فوته ، رحمة اللَّه تؤمّه ، ورضوانه يشمله ويعمّه ، فنفّس خناقهم ، وعاد إلى الإبدار محاقهم ، وصرف القائم بعده عنهم الحين ، عما كان هو رحمه اللَّه قد طوّعه من بلاد مغراوة ( 1 ) وتحين ، فاتّسعت عليهم المسالك ، وملكوا ما لم يكن فيه لأوائلهم طمع من الممالك . لكنّ هذا الخائن وعمّه كانا ممن أسأرته الفتن ، وعمّ
--> ( 1 ) مغراوة : قبيلة بربرية في المغرب الأقصى والأوسط . وكذلك تحين قبيلة أخرى . انظر جمهرة أنساب العرب ص 498 ونفح الطيب ( ج 1 ص 385 ) .